الجزء 05 · Web3 والأصول الرقمية
مقدمة Web3Introduction to Web3
الإنترنت الذي نعيش فيه تحفظ فيه شركةٌ كلَّ ما تملكه عليه. والويب 3 دعوى بأن سجلّ الملكية يمكن أن يخرج من يدها.
قراءة 7 دقائق
ابدأ من الإنترنت الذي تعرفه، لا من العملات.
فالويب في أوله كان صفحات تُقرأ فقط. ينشر صاحب الموقع، وتقرأ أنت، ولا مكان لك تكتب فيه شيئاً.
ثم جاء ما نعيش فيه اليوم، ويسمّى «الويب 2» Web 2.0. وفيه صرت تكتب أنت أيضاً. فتنشر وتعلّق وترفع صورك، وتبني متابعين وأرشيفاً يمتدّ سنوات.
ولاحظ أين يقع كل ذلك. فحسابك وصورك ومتابعوك ليسوا عندك، بل على خوادم شركة. وهي تستطيع إغلاق الحساب، أو تغيير القواعد، أو التوقّف عن العمل أصلاً. ولا نسخة عندك تحتجّ بها. فالذي تملكه إذنٌ بالاستعمال لا ملكية.
وهذه هي «النقطة المركزية» Center point: طرف واحد يمسك السجلّ ويقرّر ما فيه. وهي في كل خدمة تفتحها اليوم تقريباً، وفي حسابك البنكي قبلها كلها.
طيب وش يعني «ويب 3»؟
و«الويب 3» Web3 دعوى بأن هذا يمكن أن يكون غير ذلك. فماذا لو كان سجلّ ما تملكه محفوظاً في مكان لا تسيطر عليه شركة واحدة؟ فلا يحذفه أحد، ولا يجمّده أحد، ولا يغيّر قواعده عليك أحد بمفرده.
فالفكرة كلها تختصر في سطر: أخرِج النقطة المركزية من السجلّ.
والاسم دعوى لا وصف، فهو يوحي بجيل ثالث يخلف جيلين. والذي بُني على الفكرة فعلاً ليس شبكات اجتماعية بلا مالك، بل المال والملكية تقريباً بالكامل. ولهذا تقرأ عنه في خارطة عن التقنية المالية لا في خارطة عن الإنترنت.
ولهذا سبب معقول. فسجلّ من يملك ماذا من المال هو أوّل سجلّ يستحق ثمن ضمانة ألّا يغيّره أحد بهدوء.
كيف يشتغل سجلّ بلا مركز؟
وافتح تطبيق بنكك وانظر إلى رقم رصيدك. فذلك الرقم ليس مالاً موضوعاً في خزنة تحمل اسمك. بل سطر في قاعدة بيانات يملكها البنك ويكتب فيها وحده. وهذه هي النقطة المركزية في أوضح صورها.
وأنت مطمئن مع ذلك، ومحقّ في اطمئنانك. فالضمانة ليست الرقم على الشاشة، بل الترخيص والرقيب والمحاكم خلف من كتبه.
فاسأل الآن: ماذا لو لم يمسك السطرَ أحد؟ ومن يمنعني حينها من أن أكتب لنفسي مليوناً؟
والجواب الذي وُجد غريب بقدر السؤال: لا تسلّم السجلّ لأحد، بل أعطِ نسخة منه لكل من أراد.
فبدل قاعدة بيانات واحدة عند طرف واحد، تحتفظ آلاف الأجهزة حول العالم بنسخة من السجلّ نفسه. وتتفق على تحديثه وفق قواعد معلنة مسبقاً لا يغيّرها أحد بمفرده. ويسمّى هذا الترتيب «السجلّ المشترك» Shared ledger. ويسمّى حين يكون مفتوحاً للجميع «سلسلة الكتل» Blockchain، لأن الحركات تُجمّع في كتل تُربط كل كتلة بالتي قبلها.
فمن كتب لنفسه مليوناً ترفض حركته بقية النسخ، لأنها لا تتبع القواعد. ولا يحتاج الرفض موظفاً يراجع ولا قاضياً يحكم، بل حساباً يجريه كل جهاز بنفسه ويصل به إلى النتيجة نفسها.
والنتيجة العملية أن التحقق لم يعد يحتاج إذناً. فأي شخص يستطيع قراءة السجلّ والتأكد أن رصيداً بعينه تحرّك فعلاً. ولا يستطيع أحد محو حركة سُجّلت، ولا إصدار رصيد من فراغ خارج قواعد الشبكة.
وأول تطبيق عملي لهذه الفكرة كان «بيتكوين» Bitcoin سنة ٢٠٠٩. فلا شركة تصدره، ولا جهة تعد بشيء مقابله، وسعره يتحرك بما يدفعه المشترون وحده. ثم جاءت «إيثيريوم» Ethereum سنة ٢٠١٥ وأضافت قدرة مختلفة: تشغيل برامج صغيرة على السجلّ نفسه.
ويسمّى هذا البرنامج «عقداً ذكياً» Smart contract. وهو ليس عقداً بالمعنى القانوني ولا ذكياً. بل شرط مكتوب مسبقاً ينفّذ نفسه: إن وصل مبلغ إلى هذا العنوان، فحوّل كذا إلى ذاك. وقيمته أنه يلغي الموظف الذي يراجع كل خطوة. وخطره أن الخطأ البرمجي فيه يصبح خسارة نهائية بلا جهة تراجعها.
من يمسك المفتاح
والملكية على السجلّ ليست اسماً ولا رقم هوية، بل «مفتاحاً خاصاً» Private key. وهو رقم سرّي طويل، من يملكه يحرّك الرصيد المرتبط به. ولا يوجد زر «نسيت كلمة المرور»، ولا فرع تشتكي له. فإن ضاع المفتاح ضاع الرصيد، وإن سرقه أحد فالحركة التي أجراها صحيحة تماماً في نظر الشبكة.
ولهذا انقسمت «المحافظ» Wallets إلى نوعين، والفرق بينهما هو أهم قرار يتخذه المستخدم. ففي محفظة «الحفظ الذاتي» Self-custody تمسك المفتاح بنفسك، فلا أحد يستطيع تجميد رصيدك ولا أحد ينقذك إن أخطأت. وفي المحفظة «الوصيّة» Custodial تمسكه شركة نيابة عنك، فتستعيد وصولك إن نسيت، وتخسر إن أفلست الشركة.
وهذا ليس تفصيلاً تقنياً يخصّ المطوّرين. فأكثر من خسر أموالاً في هذا المجال لم يخسرها لأن السلسلة تعطّلت، بل لأن الشركة التي كانت تمسك مفاتيحه انهارت. وأشهر مثال منصة FTX التي أفلست في نوفمبر ٢٠٢٢، وكان عملاؤها يرون أرصدتهم على الشاشة حتى اللحظة الأخيرة.
عائلات المنتجات
Loading diagram…
وتقرأ هذه العائلات الستّ في بقية هذا الجزء، الواحدة بعد الأخرى. وما يهمّك الآن أنها ليست شيئاً واحداً. فالمسافة بين رمز مضاربي يشتريه فرد على تطبيق، وبين صندوق نقدي مرمّز تشتريه مؤسسة مالية، أبعد من المسافة بين حساب توفير وسهم في السوق.
الاستخدام الأوسع اليوم ليس المضاربة
وأكثر ما يتحرك فعلاً على هذه الشبكات اليوم ليس بيتكوين، بل «العملات المستقرة» Stablecoins. وهي رموز تَعِد بأن الواحد منها يساوي دولاراً دائماً، وأكبرها USDT و USDC، وتفصيلها في الموضوع التالي مباشرة.
وسبب انتشارها عملي بحت. فتحويل مئة ألف دولار بين شركتين في دولتين قد يستغرق يومين عبر البنوك المراسلة ويمرّ بثلاث جهات تخصم رسوماً. والتحويل نفسه بعملة مستقرة يصل في دقائق وبرسوم أقل. ولهذا تظهر في تحويلات التجارة، وفي خزائن الشركات، وفي أسواق يصعب فيها الوصول إلى الدولار.
ولا يعني ذلك أنها بلا مخاطر. فقيمة الوعد من قيمة الاحتياطي خلفه، وقد انهارت عملة اسمها TerraUSD في مايو ٢٠٢٢ لأن تغطيتها كانت خوارزمية لا نقدية.
ما الذي لم يتغيّر
ولم يختف الوسطاء، بل تبدّلت أسماؤهم فقط. فالمنصة، والحافظ، و«منحدر الدخول والخروج» On/off-ramp الذي يبدّل بين الريال والرمز، كلهم وسطاء بأشكال جديدة. وأكثر العملاء لا يرون السلسلة إطلاقاً، بل يرون تطبيقاً يشبه تطبيق البنك.
ولم يتغيّر أيضاً السؤال الذي تطرحه الجهة الرقابية. فهي لا تسأل عن التقنية، بل عن الوظيفة: هل تحتفظ بمال عميل؟ وهل تعد باسترداده؟ وهل تطابق بين بائع ومشترٍ؟ وهل تقرض؟ وكل وظيفة من هذه لها ترخيص في الأنظمة المالية، سواء نُفّذت بقاعدة بيانات أو بعقد ذكي.
وهذا هو الخطأ الأكثر تكراراً عند المبتدئ: أن يظن كلمة سلسلة الكتل تعفي المنتج من التصنيف. والواقع عكسه تماماً، فالوصف الوظيفي هو ما يُقرأ.
أين يقف السوق الآن
وبدأت الدول تكتب قواعد لهذا المجال بدل تجاهله. ففي الاتحاد الأوروبي دخلت لائحة «ميكا» Markets in Crypto-Assets أو MiCA حيّز التطبيق الكامل في ديسمبر ٢٠٢٤، وهي أول إطار شامل يغطي إصدار العملات المستقرة وترخيص مقدمي الخدمات. وفي دبي أُنشئت «هيئة تنظيم الأصول الافتراضية» Virtual Assets Regulatory Authority أو VARA سنة ٢٠٢٢ لترخيص المنصات العاملة فيها.
أما السعودية فموقفها أوضح مما يُشاع، وهو تحفّظ على مستوى الأفراد مع اهتمام على مستوى المؤسسات. فلا توجد حتى الآن جهة ترخّص تداول الأصول المشفّرة للأفراد، وقد حذّرت الجهات الرقابية مراراً من التعامل مع منصات غير مرخّصة. ولا يعني هذا رفضاً للتقنية نفسها. فالبنك المركزي السعودي نفّذ مع مصرف الإمارات المركزي مشروع «عابر» Aber، وهو تجربة عملة رقمية مشتركة للتسوية بين البنكين نُشرت نتائجها سنة ٢٠٢٠. وشارك كذلك في مشروع mBridge للتسوية العابرة للحدود بعملات رقمية للبنوك المركزية.
والخلاصة العملية لك إن كنت تقرأ من السعودية: التقنية تُدرَس جدّياً على مستوى البنوك المركزية، وتداول الأفراد عبر تطبيق أجنبي شيء آخر تماماً، ولا يصحّ الخلط بينهما.
كلمات جديدة هنا
- الويب 3Web3
- تسمية لمنتجات إنترنت تعتمد سجلات مشتركة ورموزاً وغالباً شبكات عامة لتسجيل القيمة والحقوق.
- السجلّ المشتركShared ledger
- سجلّ أرصدة وتحويلات يستطيع كثير من المشاركين التحقق منه وفق القواعد نفسها، بدل قاعدة بيانات بنك واحد خاصة وحدها.
- العقد الذكيSmart contract
- قواعد قابلة للبرمجة على السجلّ تحرّك الرموز عند تحقق شروط، بلا موظف بشري لكل خطوة.
- المفتاح الخاصPrivate key
- الرقم السرّي الطويل الذي يتحكم في رصيد. من يملكه يملك المال، ولا توجد استعادة لكلمة المرور.
- الحفظ الذاتيSelf-custody
- أن تمسك مفتاحك بنفسك. فلا أحد يجمّد رصيدك، ولا أحد يستعيده لك إن ضاع المفتاح.
- منحدر الدخول والخروجOn/off-ramp
- الخدمة التي تبدّل بين المال المعتاد والرموز. وهي الموضع الذي تشتدّ فيه قواعد البنوك.
الخلاصة
- المفتاح الخاص هو الملكية. فمن يمسكه يملك المال، ولا استعادة لكلمة مرور ولا فرع تشتكي له.
- أكثر الخسائر هنا جاءت من انهيار وسيط لا من عطل في السلسلة. فعملاء FTX كانوا يرون أرصدتهم على الشاشة حتى النهاية.
- الجهة الرقابية تصنّف بالوظيفة لا بالتقنية: حفظ مال العميل، والوعد بالاسترداد، والمطابقة بين بائع ومشترٍ، والإقراض.
- العملات المستقرة لا بيتكوين هي الاستخدام الأوسع اليوم، لأن التحويل العابر للحدود يصل في دقائق بدل يومين.
- السعودية متحفّظة على مستوى الأفراد ونشطة على مستوى المؤسسات. فمشروعا عابر وmBridge عمل بنوك مركزية، لا ترخيص تداول للأفراد.
اختبر فهمك
أجب قبل أن تقرأ التفسير. والخطأ هنا أنفع لك من تخمين صحيح.
هذا دليل تعليمي مبني على خبرة ميدانية. وهو ليس استشارة قانونية أو تنظيمية أو استثمارية، ولا يُغني عن مشورة مهنية مؤهّلة. وأنظمة التقنية المالية تتغيّر بسرعة وتختلف من دولة إلى أخرى، فراجع المصدر الرسمي قبل أي قرار مهم.