خارطة الفنتك

الجزء 01 · ابدأ من هنا

مقدمة الفنتك FinTechIntroduction to FinTech

الفنتك هو استخدام التقنية للتعامل مع المال. فإذا كان تطبيقٌ يتيح لك إرسال المال أو اقتراضه أو ادخاره أو استثماره، فهذا التطبيق فنتك.

قراءة 6 دقائق

شارك المقال:

والكلمة اختصار لـ«التقنية المالية». وهي واسعة إلى حدّ يجعلها بلا معنى إن لم تعرف ما الذي يميّزها فعلاً.

وش الفرق بين تطبيق فنتك وأي تطبيق ثاني؟

وهذا هو السؤال الذي يجب أن تبدأ منه. فلو فتحت الكود، لما وجدت فرقاً جوهرياً بين تطبيق مصرفي وتطبيق توصيل طعام. فكلاهما واجهة، وقاعدة بيانات، وواجهات برمجية، وطابور رسائل. والمهندس الذي بنى الأول يستطيع بناء الثاني في أسبوع.

والفرق ليس تقنياً إطلاقاً. بل هو أن أحداً ما يجب أن يمنحك إذناً قبل أن تشغّل الأول.

فحفظ أموال الناس نشاط مرخّص في كل دولة تقريباً. وكذلك إقراضهم، وتحويل أموالهم، وإدارة استثماراتهم. ومن يمارس واحداً من هذه بلا ترخيص يرتكب جريمة، لا مخالفة إجراءات.

وهذا القيد الواحد يشكّل القطاع أكثر من أي شيء آخر. فهو سبب بطء الشركات، وسبب شراكاتها مع البنوك، وسبب أن قسم الامتثال في بعضها أكبر من قسم الهندسة. وإن حيّرك قرار اتّخذته شركة فنتك، فابدأ من سؤالين: تحت أي ترخيص تعمل، ومن يملك ذلك الترخيص؟

وش تسوي شركات الفنتك بالضبط؟

وقد عرفت أن الفرق ليس في التقنية بل في الإذن. ويبقى سؤال أبسط: هذه الشركات كلها، ماذا تفعل فعلاً؟

وأسهل طريقة للجواب أن تفتح جوالك وتنظر إلى تطبيقاتك المالية. فستجد أنها تفعل بمالك واحداً من خمسة أشياء، لا أكثر.

الأول: تنقل مالك من مكان إلى مكان. فحين تدفع في متجر، ينتقل مالك إليه. وحين تحوّل لصديق، ينتقل إلى حسابه. وحين ترسل لعائلتك في بلد آخر، ينتقل عبر الحدود.

الثاني: تعطيك مالاً الآن وتأخذه لاحقاً. فحين تشتري جهازاً على أربع دفعات، أخذت مالاً لا تملكه بعد. وكذلك القرض الشخصي، وكذلك التمويل الذي يأخذه صاحب متجر مقابل مبيعاته القادمة.

الثالث: تحفظ مالك عندها. كرصيدك في البنك، أو رصيدك داخل محفظة في تطبيق. فالمال ساكن، والشركة مسؤولة عنه حتى تطلبه.

الرابع: تحاول أن تزيد مالك. كأن تشتري وحدة في صندوق استثماري، أو يقتطع لك تطبيق ريالاً مع كل عملية شراء ويستثمره.

والخامس مختلف عن الأربعة: تتأكد أنك أنت. فقبل أن يفتح لك حساب، أو يصرف لك قرضاً، أو يحفظ لك رصيداً، يجب أن يعرف أحدهم من أنت فعلاً.

ليش الخامس غريب وضروري في الوقت نفسه

ويبدو الخامس خارجاً عن السياق، لأنك لا ترى فيه ريالاً يتحرّك. وهو مع ذلك شرط للأربعة الباقية.

فلا أحد يعطي قرضاً لمجهول، ولا يحفظ مال مجهول، ولا يقبل أن يحوّل شخص مجهول مبالغ كبيرة عبر نظامه. فالتحقق ليس خدمة مساندة، بل هو الباب الذي لا يُفتح أي شيء آخر قبله.

ولهذا صارت شركات التحقق من الهوية ومكافحة الاحتيال قطاعاً قائماً بذاته. وأنت ترى هذا بنفسك في كل تطبيق مالي سعودي حين يطلب منك الدخول عبر قبل أي شيء آخر.

وماذا لو كان التطبيق يفعل أكثر من واحدة؟

وهذا شائع. فتطبيق يحفظ رصيدك، ويحوّل منه، ويقسّط لك مشترياتك، يؤدي ثلاثة من الخمسة.

ولا يكسر هذا التصنيف، بل يفسّر شيئاً مهماً: أن مثل هذه الشركة تحتاج أكثر من ترخيص واحد. فلكل مهمة إذنها الخاص، والشركة التي تجمع ثلاثاً تحمل ثلاثة أعباء رقابية لا واحداً.

وهذه الخمسة ستلاحقك في بقية الخارطة. فحين تقرأ عن أي منتج، اسأل أولاً: أيّ واحد من الخمسة يؤديه؟ فالجواب يخبرك من يرخّصه، وما مخاطره، وأي فصل من هذه الخارطة يخصّه.

ليش المجال يبدو مزدحماً بالأسماء؟

وكان البنك قديماً يفعل كل شيء لك. فهو يحفظ راتبك، ويصرف لك شيكاً، ويقرضك، ويحوّل مالك، ويبيعك تأميناً، ويستثمر لك.

ولم تُجمع هذه الخدمات لأنها متشابهة، بل لأن جمعها كان الشيء الوحيد الممكن مادياً: فرع واحد، وموظف واحد، ودفتر واحد. فالبنك كان مبنى، والمبنى لا يتجزّأ.

ثم فكّت البرمجيات هذا التجميع. فظهرت شركة لا تفعل إلا التحويل الدولي، وأخرى لا تفعل إلا التقسيط، وثالثة لا تفعل إلا حفظ الرصيد. وكل واحدة تنافس البنك في خدمة واحدة، وتنافسه فيها بعمق لا يستطيعه وهو يقدّم عشرين خدمة.

ولهذا فما تراه ليس مئة بنك جديد، بل خدمات بنك واحد قديم وقد تفرّقت على مئة شركة.

ويفسّر هذا أيضاً الاتجاه المعاكس الذي تراه اليوم: كل واحدة من هذه الشركات تحاول أن تضيف خدمة ثانية ثم ثالثة، حتى تعود شيئاً يشبه البنك الذي بدأت بتفكيكه.

وليش انفجر المجال الآن تحديداً؟

وسؤال مشروع: البنوك عمرها قرون، والبرمجيات عمرها عقود. فلماذا صار هذا حديث السنوات الأخيرة؟

والجواب أن ثلاثة أشياء اجتمعت. أولها أن الهاتف صار في جيب الجميع، فصار الفرع الذي تحتاج زيارته شيئاً يمكن الاستغناء عنه. وثانيها أن البنية التقنية صارت تُستأجر بالساعة، فبناء نظام يعالج ملايين العمليات لم يعد يحتاج غرفة خوادم ورأس مال ضخم. وثالثها، وهو الأهم، أن الجهات الرقابية نفسها فتحت الباب.

وهذه النقطة الثالثة تُغفَل كثيراً. فقبلها كان النظام يمنع أي شركة من لمس المال إلا عبر بنك كامل الترخيص. ثم ظهرت تراخيص أصغر لأنشطة محدّدة، وبيئات تجريبية تسمح باختبار منتج على عدد محدود من العملاء قبل الترخيص الكامل.

وفي السعودية تحديداً كان هذا قراراً معلناً لا صدفة. فقد أُطلقت سنة ٢٠١٨ بمبادرة من البنك المركزي و، لتكون الجهة التي ترعى القطاع وتربط الشركات بالجهات الرقابية. وتحوّل ما كان بابين مغلقين إلى مسار معلن.

ولهذا فالفنتك ليس اختراعاً تقنياً بقدر ما هو تغيّر في من يُسمح له بالمحاولة.

ثلاثة أسئلة تكفي للتمييز

والأول: هل في القصة مال يتحرّك أو يُحفظ أو يُقرض؟ والثاني: هل تؤدي البرمجيات عملاً كان يؤدّيه موظف أو ورقة؟ والثالث: هل هناك جهة رقابية تُعنى بما يحدث؟ فإن كانت الأجوبة الثلاثة نعم، فأنت في الفنتك.

وجرّبها على مثال قريب: تطبيق يقسّم فاتورة العشاء بين أصدقاء ثم يحوّل الحصص فوراً. مال يتحرّك، وبرمجيات تحلّ محلّ الحساب على الورق، وجهة رقابية تهتم بمن يحرّك أموال الناس. فنتك.

وجرّبها على مثال أبعد: برنامج محاسبة يصدر فواتير ولا يحرّك ريالاً واحداً. لا مال يتحرّك، فهذا برنامج أعمال. لكنه يصبح جزءاً من الفنتك في اللحظة التي يضيف فيها زرّ دفع داخل الفاتورة. والحدّ رقيق إلى هذه الدرجة.

ما ليس فنتك وإن سُمّي كذلك

وتُسوّق أشياء كثيرة اليوم على أنها فنتك وهي ليست كذلك. فمنصّة تعليم الاستثمار تبيع محتوى، ومجمّع أسعار التمويل الذي يحوّلك إلى موقع البنك يبيع إعلاناً ووساطة.

وليس في هذا عيب، لكن التمييز يهمّك كمتعلّم: فمعظم القواعد التي ستقرأ عنها في هذه الخارطة لا تنطبق على من لا يلمس مال أحد.

ويبقى تنبيه أخير. فكلمة «فنتك» نفسها في طريقها إلى التقاعد، كما تقاعد وصف «شركة إنترنت» من قبل. فحين تصبح كل خدمة مالية رقمية، لا يبقى في الوصف ما يميّز.

كلمات جديدة هنا

الفنتكFinTech
التقنية المالية: برمجيات تتعامل مع المال بشكل من الأشكال.
خدمة ماليةFinancial service
أي عمل تؤديه جهة شبيهة بالبنك لصالحك: حفظ المال، أو إرساله، أو إقراضه، أو التأمين عليك.

الخلاصة

  • افتح تطبيقاتك المالية وستجدها تفعل بمالك واحداً من خمسة: تنقله، أو تعطيك إياه الآن وتأخذه لاحقاً، أو تحفظه، أو تحاول زيادته، أو تتأكد أنك أنت قبل أيٍّ من الأربعة.
  • الفنتك ليس «شركات ناشئة ضد بنوك»، فالبنوك تنفق عليه أكثر من أي جهة أخرى.
  • ما يميّز برمجيات المال عن غيرها أن أحداً ما يجب أن يمنحك إذناً لممارستها.

اختبر فهمك

أجب قبل أن تقرأ التفسير. والخطأ هنا أنفع لك من تخمين صحيح.

  1. 1.ما الذي يفرّق فعلاً بين تطبيق فنتك وتطبيق توصيل طعام؟
  2. 2.التأكد من أنك أنت يبدو غريباً بين نقل المال وإقراضه وحفظه وتنميته. فلماذا يُعدّ منها؟
  3. 3.تطبيق يحفظ رصيدك، ويحوّل منه، ويقسّط مشترياتك. فماذا يخبرك هذا؟
  4. 4.موقع يعرض عروض التمويل ثم يحوّلك إلى صفحة البنك نفسه. هل هو فنتك؟
  5. 5.ثلاثة أشياء اجتمعت فانفجر المجال. فأيّها يُغفل أكثر رغم أنه الأهم؟

المصادر الرسمية

للتحقّق بنفسك من القواعد المذكورة أعلاه. والمقال مكتمل بدونها.

هذا دليل تعليمي مبني على خبرة ميدانية. وهو ليس استشارة قانونية أو تنظيمية أو استثمارية، ولا يُغني عن مشورة مهنية مؤهّلة. وأنظمة التقنية المالية تتغيّر بسرعة وتختلف من دولة إلى أخرى، فراجع المصدر الرسمي قبل أي قرار مهم.

العودة إلى الخارطة

مقدمة الفنتك FinTech | Roadmap FinTech