خارطة الفنتك

الجزء 04 · قنوات الدفع Payment rails

مدفوعات البطاقات والشبكاتCard payments and schemes

في كل دفعة بطاقة أربعة أصحاب عقود: أنت، والمتجر، وبنكك، وبنك المتجر. والشبكة في المنتصف هي من وقّع معها الأربعة، ورسم يسمّى رسوم التبادل ينتقل بينهم.

قراءة 8 دقائق

شارك المقال:

وتسمّى هذه البنية «النموذج رباعي الأطراف» Four-party model، وعمرها عمر البطاقات نفسها. وقد بقيت على حالها منذ الستينيات، وتغيّر ما فوقها وما تحتها ولم تتغيّر هي.

وأكثر ما يُخطئ فيه المبتدئ أن الموافقة والمال شيء واحد. وليسا كذلك. فالموافقة رسالة تسافر وتعود في ثانيتين، أما المال فيتحرّك لاحقاً وبطريق مختلف تماماً. وإن فصلت بين الاثنين في ذهنك، صار نصف هذا الموضوع واضحاً.

من في الصورة؟

قبل أي شرح، هذه أسماء اللاعبين ووظيفة كلٍّ منهم. وهي خمسة لا أكثر، ولن يظهر في بقية المقال اسم سادس:

  • حامل البطاقة أنت. تملك البطاقة ولا تملك الحساب الذي تصرف منه إن كانت ائتمانية.
  • المتجر من يبيع لك. لا يعرف بنكك ولا يريد أن يعرفه.
  • البنك المُصدِر Issuer بنكك أنت. هو من أصدر البطاقة، وهو وحده من يقرّر قبول العملية أو رفضها.
  • الجهة المستحوذة Acquirer الشركة التي تعاقد معها المتجر ليقبل البطاقات. هي من ينصب الطرفية، ويستقبل العملية، ويحوّل للمتجر حصيلته بعد يوم أو يومين. وفي السعودية و مثالان على هذا الدور.
  • الشبكة Network مدى أو أو . تنقل الرسائل وتضع القواعد، ولا تحتفظ بمال أحد ولا تقرّر شيئاً.

وهذه الخمسة معاً تُسمّى «منظومة المدفوعات» Payments ecosystem: سلسلة الشركات التي تمرّ بها رسالةٌ واحدة كي يقبل بائعٌ مالاً من مشترٍ لا يعرفه.

فإن التبس عليك شيء لاحقاً، فالغالب أنه التباس بين المُصدِر والمستحوذ. الأول يخدمك أنت، والثاني يخدم المتجر، وكلاهما بنك أو شركة مرخّصة، والشبكة ليست أياً منهما.

ليش نظام عمره ستون سنة ما زال يشتغل؟

وهذا سؤال يستحق التوقف. فكل شيء في التقنية تغيّر منذ الستينيات، وبقي هذا الترتيب كما هو. فلماذا لم يأتِ أحد بشيء أفضل؟

لأنه حلّ مشكلة أصعب مما تبدو: كيف يقبل تاجر في جدة بطاقة أصدرها بنك في ألمانيا لشخص لم يره في حياته؟

فالتاجر لا يعرف البنك، ولا يثق بالمشتري، ولا يستطيع الاتصال بأحد للتأكد. والحل الذي وُجد أن يثق كل طرف بالشبكة فقط، لا ببقية الأطراف. فالتاجر يثق بأن الشبكة ستدفع له، والبنك يثق بأن الشبكة ستحصّل منه، وكلاهما يوقّع مع الشبكة لا مع الآخر.

ومن هنا جاء الاسم. فالأربعة هم أصحاب العقود: أنت، والمتجر، وبنكك، والمستحوذ الذي يخدم المتجر. أما الشبكة فليست خامسهم، لأنها الطرف الذي وقّع معه الأربعة لا واحد منهم. فستة يشاركون في الدفعة، وأربعة يتعاقدون.

وهذه هي قيمة القواعد الموحّدة: أن ملايين الأطراف الذين لا يعرفون بعضهم يستطيعون التعامل بلا اتفاقيات ثنائية. والبطاقة البلاستيكية ليست الاختراع، بل الاتفاق على من يضمن ماذا حين يسوء الأمر.

ولهذا صمد النموذج. فالمنافس الجديد لا يحتاج تقنية أفضل فقط، بل يحتاج أن يقنع ملايين التجار وآلاف البنوك بالانتقال معاً في اليوم نفسه.

الرسالة التي تسافر في ثانيتين

Loading diagram…

مسار الموافقة في البطاقة

وحين تمرّر بطاقتك لا يخرج ريال واحد من حسابك في تلك اللحظة. بل يحدث هذا:

  1. الطرفية في المتجر تبني رسالة طلب موافقة وترسلها إلى الجهة المستحوذة التي تخدم المتجر.
  2. والمستحوذة تعرف الشبكة من أول أرقام البطاقة، فتمرّر الرسالة إليها.
  3. والشبكة توجّه الرسالة إلى بنكك. فهي لا تقرّر شيئاً ولا تحتفظ بمال أحد.
  4. وبنكك يقرّر: هل الرصيد يكفي، وهل البطاقة نشطة، وهل هذا السلوك معتاد منك.
  5. ثم تعود الإجابة في المسار نفسه معكوساً، فتظهر على الشاشة.

وما يحدث في حسابك عند الموافقة حجزٌ لا خصم. فبنكك يقتطع المبلغ من رصيدك المتاح ويحتفظ به، ولم ينتقل ريال واحد إلى أحد بعد. وما يحوّل هذا الحجز إلى مال فعلي خطوةٌ أخرى، وهي موضوع القسم التالي.

التفويض شيء والتحصيل شيء آخر

والحجز الذي حدث للتو ليس مالاً أخذه أحد. فهو وعدٌ من بنكك بأن المبلغ محفوظ، وينتهي وحده إن لم يطالب به المتجر. والمطالبة رسالة ثانية منفصلة تماماً عن الأولى، تسمّى «التحصيل» Capture، ومعناها: أرسلتُ البضاعة، خذوا المبلغ الآن.

فالسلسلة إذاً ثلاث خطوات لا خطوتان: تفويض يحجز، ثم تحصيل يطالب، ثم مقاصة وتسوية ينقلان المال. ولا تدخل عمليةٌ مرحلةَ المقاصة قبل أن تُحصَّل.

ومتى يرسل المتجر رسالة التحصيل؟ هذا قراره هو، ويختلف باختلاف ما يبيع:

  • في المتجر الفعلي يقع الاثنان في اللحظة نفسها تقريباً، لأن البضاعة انتقلت إليك عند الباب.
  • في المتاجر الإلكترونية يفوّض عند الطلب ويحصّل عند الشحن. ولهذا لا يُخصم من بطاقتك حين تطلب من متجر إلكتروني، بل حين يخرج الطرد.
  • في الفنادق ومحطات الوقود يفوّض مبلغاً تقديرياً ثم يحصّل المبلغ الحقيقي، وهو غالباً أقل. وهذا اسمه «التحصيل الجزئي»، وهو تفسير المبلغ الذي رأيته محجوزاً ثم تغيّر.
  • وإن لم يحصّل المتجر أصلاً، انتهى الحجز من تلقاء نفسه بعد أيام وعاد المبلغ إلى رصيدك المتاح بلا إشعار ولا حركة في كشف حسابك.

المال يأتي لاحقاً

وبعد التحصيل، في آخر اليوم، تجمع الجهة المستحوذة عمليات المتجر كلها وترسلها إلى الشبكة في دفعة واحدة، وتسمّى هذه المرحلة «المقاصة». ثم تحسب الشبكة الصافي بين البنوك: فبنك يستحق كذا من بنك، وذاك يستحق كذا من ثالث. ثم تتحرّك مبالغ الصافي وحدها بين البنوك في مرحلة «التسوية».

ولهذا يستلم المتجر أمواله بعد يوم أو يومين لا في اللحظة. وهذا التأخير ليس عيباً في النظام بل هو النظام: فتحويل مبلغ واحد صافٍ بين بنكين أرخص بمراتب من تحويل مليون مبلغ صغير.

من يأخذ ماذا

ولنفترض متجراً باع بمئة ريال ووصله بعد يومين ثمانية وتسعون. فالريالان المفقودان ليسا رسماً واحداً بل ثلاثة:

  • رسوم التبادل Interchange ويذهب إلى بنكك المُصدِر، وهو أكبر الثلاثة عادة.
  • رسوم الشبكة ويذهب إلى مدى أو أو مقابل التوجيه ووضع القواعد.
  • هامش المستحوذة وهو ما تكسبه الجهة التي تخدم المتجر.

ورسوم التبادل هو مفتاح فهم كثير مما يبدو غريباً. فهو الذي يموّل المكافآت والأميال على بطاقتك، إذ يأخذها بنكك من هذا الرسم لا من كرمه. وهو سبب رفض بعض المتاجر الصغيرة للبطاقات أو فرضها حدّاً أدنى للشراء. وهو سبب حماسة البنوك لإصدار البطاقات أكثر من حماستها لخدمة المتاجر.

ولهذا تضع جهات رقابية في دول كثيرة حدوداً عليا لهذا الرسم، لأنه يُدفع في النهاية من جيب المشتري داخل السعر.

بطاقة الخصم وبطاقة الائتمان

والفرق بينهما ليس في الشكل بل في صاحب المال. فبطاقة الخصم تصرف من رصيدك، وبطاقة الائتمان تصرف من مال البنك ثم يطالبك به آخر الشهر. ولهذا يتحمّل البنك مخاطرة حقيقية في الثانية ولا يتحمّل شيئاً في الأولى.

وتتبع الرسوم هذه المخاطرة. فرسوم التبادل على بطاقات الائتمان أعلى منه على بطاقات الخصم في كل سوق تقريباً، لأن البنك يموّل ويؤجّل ويجمع. ولهذا أيضاً تكاد المكافآت والأميال تكون حصراً على بطاقات الائتمان: هناك رسم أكبر يموّلها.

ومعظم البطاقات في السعودية بطاقات خصم على شبكة . وهذا يفسّر لماذا تبدو رسوم قبول البطاقات في المملكة أقل ممّا يقرؤه المرء في مقالات أمريكية.

لماذا مدى أرخص عادة

ومدى شبكة محلية سعودية، فتبقى العملية بين بنكين داخل المملكة وبعملة واحدة. أما البطاقة العالمية فتضيف رسوم شبكة عالمية، وقد تضيف تحويل عملة وطبقة رسوم عبر الحدود. ولهذا يفضّل كثير من المتاجر توجيه العملية على مدى حين يكون ذلك متاحاً، وهو خيار تقني في الطرفية لا تفضيل في المزاج.

حين يعترض حامل البطاقة

ويستطيع حامل البطاقة أن يعترض على عملية، فيسمّى ذلك «المنازعة» أو «الاسترداد». وحينها يسحب بنكك المال من المتجر أولاً، ثم يُطلب من المتجر أن يثبت صحة العملية. فالعبء على المتجر لا على المشتري، والمهل تحدّدها قواعد الشبكة وتُقاس بالأيام.

ولهذا تُعنى المتاجر بالإيصالات وسجلات التوصيل وتسجيل موافقة العميل. فهذه هي الأدلة، ولا شيء غيرها ينفع وقت المنازعة.

ما يعنيه هذا لك إن كنت تبني

وإن كنت مهندساً أو صاحب منتج، فالقاعدة الأولى أن أرقام البطاقات لا تدخل أنظمتك أبداً. فمعيار يفرض التزامات ثقيلة على كل نظام يلمس رقم البطاقة، وأرخص طريقة للامتثال أن لا تلمسه.

والطريقة العملية أن يرسل المتصفح أو التطبيق الرقم مباشرة إلى مزوّد الدفع، فيعيد لك «رمزاً» يمثّل البطاقة ولا قيمة له عند غيرك. فتحفظ الرمز وتستخدمه للعمليات التالية. وهذا ما يسمّى «الترميز» Tokenisation، وهو أهم قرار معماري ستتّخذه في هذا الموضوع.

وتبقى طبقة أخيرة اسمها 3-D Secure، وهي التحقق الإضافي الذي ينقلك إلى صفحة بنكك أو يرسل لك رمزاً. وهي تنقل مسؤولية الاحتيال من المتجر إلى البنك المُصدِر في كثير من الحالات، ولهذا تستخدمها المتاجر رغم أنها تُفقدها بعض العملاء في منتصف الطريق.

كلمات جديدة هنا

رسوم التبادلInterchange
الرسم الذي يدفعه جانب المتجر لبنكك في كل عملية شراء بالبطاقة. يموّل مكافآت البطاقات، وتضع دول كثيرة سقفاً له بالنظام.
الترميزTokenisation
استبدال رقم البطاقة الحقيقي ببديل خاص بالجهاز، فيصبح التسريب أقل نفعاً للّص بكثير.
معيار PCI DSSPCI DSS
قواعد الأمن التي يجب اتّباعها إذا مرّت أرقام البطاقات الحقيقية بأنظمتك. وأرخص استراتيجية هي ضمان ألا تمرّ بها.

الخلاصة

  • الموافقة تسير: المتجر ← بنك المتجر ← الشبكة ← بنكك. ويعود المال في الاتجاه المعاكس بعد يوم أو يومين.
  • رسوم التبادل هو سبب كون البطاقات أغلى على المتاجر من معظم وسائل الدفع الأخرى، وسبب وجود مكافآت لبطاقتك.
  • إن لم تدخل أرقام البطاقات الحقيقية أنظمتك أبداً، تقلّصت التزاماتك الأمنية بشكل هائل. صمّم على هذا الأساس.
  • المنظومات المحلية مثل «مدى» أرخص عادة من العلامات العالمية، فالمسار الذي تسلكه الدفعة له قيمة تجارية حقيقية.

اختبر فهمك

أجب قبل أن تقرأ التفسير. والخطأ هنا أنفع لك من تخمين صحيح.

  1. 1.عدَّ الجزء الأول ستة أطراف في دفعة البطاقة، ويسمّى هذا «النموذج رباعي الأطراف». فأيهما الصحيح؟
  2. 2.تغيّر كل شيء في التقنية منذ الستينيات ولم يتغيّر النموذج رباعي الأطراف. فلماذا لم يحلّ محلّه شيء؟
  3. 3.يبيع متجر بمئة ريال فيصله ثمانية وتسعون بعد يومين. فأين ذهب الريالان؟
  4. 4.لماذا تكاد المكافآت والأميال تكون على بطاقات الائتمان دون بطاقات الخصم؟
  5. 5.تجد أرقام بطاقات كاملة في سجلات تطبيقك. فما هذا؟
  6. 6.يعترض حامل بطاقة على عملية. فماذا يحدث أولاً؟

المصادر الرسمية

للتحقّق بنفسك من القواعد المذكورة أعلاه. والمقال مكتمل بدونها.

هذا دليل تعليمي مبني على خبرة ميدانية. وهو ليس استشارة قانونية أو تنظيمية أو استثمارية، ولا يُغني عن مشورة مهنية مؤهّلة. وأنظمة التقنية المالية تتغيّر بسرعة وتختلف من دولة إلى أخرى، فراجع المصدر الرسمي قبل أي قرار مهم.

العودة إلى الخارطة

مدفوعات البطاقات والشبكات | Roadmap FinTech