خارطة الفنتك

الجزء 04 · قنوات الدفع Payment rails

المقاصة والتسويةClearing and settlement

طريقتان تنقل بهما البنوك المال فيما بينها: دفعة واحدة في كل مرة للمبالغ الكبيرة، أو آلاف مجمّعة معاً للمبالغ الصغيرة.

قراءة 8 دقائق

شارك المقال:

«التسوية» Settlement هي اللحظة التي ينتقل فيها المال فعلاً بين البنكين، بعد أن يكون القبول قد ظهر على الشاشة بوقت طويل. ولها مساران، والفرق بينهما هو هل يتحرّك كل مبلغ وحده أم يُجمع مع غيره أولاً.

يُسمّى المسار الأول «التسوية الإجمالية الآنية» Real-Time Gross Settlement أو RTGS، ويُسمّى الثاني «التسوية الصافية» Net settlement.

إذا كان الصافي أرخص، ليش يستخدمون الإجمالي أصلاً؟

وقد عرفت في موضوع دورة الدفع أن جمع العمليات وحساب الفرق يوفّر سيولة هائلة. فإن كان الأمر بهذه الكفاءة، فلماذا لا تُسوّى كل المدفوعات بهذه الطريقة؟

والسبب أن التوفير له ثمن، واسمه خطر الانتظار.

فحين تُجمع عمليات اليوم كله وتُسوّى في المساء، فأنت تفترض أن كل البنوك ستكون قادرة على الدفع في المساء. وطوال اليوم يتراكم دين بين البنوك لم يُسدَّد بعد.

فتخيّل أن بنكاً أفلس عند الثالثة عصراً. فكل من أرسل له عمليات منذ الصباح انتظاراً للتسوية المسائية يجد نفسه دائناً لجهة لن تدفع. وقد يعجز هو بدوره عن الوفاء لغيره، فتتسلسل المشكلة. ولهذا سُمّي هذا في الأزمات «خطر التسوية».

ومن هنا جاء التقسيم العملي: المبالغ الكبيرة تُسوّى واحدة واحدة وفوراً، بلا انتظار وبلا تجميع. فتكلفتها في السيولة عالية، لكنها لا تترك ديناً معلّقاً لحظة واحدة. والمبالغ الصغيرة الكثيرة تُجمَّع وتُسوّى بالصافي، لأن خطر تعثّرها لا يهزّ النظام.

فالقاعدة ببساطة: كلما كبر المبلغ، قلّ الصبر على الانتظار.

الإجمالي يعني بلا تعويض

Loading diagram…

إجمالي مقابل صافٍ

وفي التسوية الإجمالية الآنية، أو RTGS، يعالج النظام كل أمر تحويل مستقلاً وبقيمته الكاملة. فإذا أرسل بنك ألف ١٠ ملايين ريال إلى بنك باء، تنخفض أرصدة الأول لدى البنك المركزي وترتفع أرصدة الثاني بالمبلغ نفسه. ولا ينتظر النظام تحويلات معاكسة كي يطرح بعضها من بعض.

وتناسب هذه الطريقة دفعة شراء سندات كبيرة أو تمويل صفقة بين شركتين. فخطأ واحد في مبلغ ضخم قد ينقل الخطر إلى بنوك أخرى خلال دقائق. ولذلك يعطي RTGS كل دفعة مساراً واضحاً ووقتاً محدداً للتسوية.

ولا تعني كلمة آنية أن كل تحويل يدخل فوراً مهما كانت الظروف. فقد يحتاج البنك المرسل سيولة كافية في حسابه لدى البنك المركزي. وقد يضع النظام الأمر في طابور حتى تصل سيولة من تحويل وارد أو من اقتراض مضمون. ثم ينفذ الأمر حين تتحقق الشروط وقواعد الأولوية.

وتكلف السيولة كل بنك مالاً. فالمبلغ المحجوز للتسوية لا يستطيع البنك استخدامه في غرض آخر في اللحظة نفسها. ولذلك يدير أمين الخزانة التدفقات الواردة والصادرة طوال اليوم، ولا يراقب إجمالي التحويلات فقط.

الصافي يعني دفع الفرق

وفي التسوية الصافية، يجمع النظام عدداً كبيراً من التعليمات قبل تحريك الرصيد النهائي بين البنوك. فإذا أرسل عملاء بنك ألف ٥ ملايين ريال إلى عملاء بنك باء، وأرسل عملاء باء ٤ ملايين بالعكس، بلغت الحركات ٩ ملايين. ولكن البنكان لا يحتاجان إلى تسوية ٩ ملايين. ويحتاج بنك ألف إلى دفع صافي مليون ريال فقط.

وقد يكون الحساب «ثنائياً» بين بنكين، أو «متعدد الأطراف» بين جميع المشاركين. ففي النموذج المتعدد، يحسب النظام مركز كل بنك تجاه المجموعة كلها. ويخرج بنك واحد مديناً بصافي محدد، ويخرج آخر دائناً، بينما تختفي آلاف الحركات المتعاكسة من دفعة التسوية النهائية.

وتقلل المقاصة الصافية السيولة المطلوبة. فمتجر يدفع مورديه صباحاً، ثم يستقبل مبيعات عملائه ظهراً. وتطبيق رواتب يرسل آلاف المبالغ الصغيرة، بينما تستقبل البنوك تحويلات تجزئة أخرى في الاتجاه المعاكس. والمشترك أن جمع الحركات يسمح باستخدام التعويض بدلاً من تمويل كل حركة منفردة.

ولا تختفي المخاطر بسبب صغر الصافي. فقد يعجز بنك مدين عن دفع مركزه عند نهاية الدورة. وعندها تحتاج قواعد النظام إلى ضمانات أو حدود أو صندوق خسائر أو طريقة لإعادة الحساب. ولذلك تكون لحظة الإغلاق وقواعد التعثر جزءاً من تصميم النظام، لا تفصيلاً محاسبياً.

النهائية هي لحظة انتهاء الدين

وتعني «نهائية التسوية» Finality أن التحويل المستقر أصبح غير قابل للإلغاء وفق قواعد النظام، حتى لو وقع خلاف تجاري بعده. فإذا دفع بنك مركزه النهائي في أموال البنك المركزي، انتهى الالتزام بين البنكين. ولا تعيد شكوى العميل ذلك القيد تلقائياً إلى الوراء.

ولا تعني النهائية أن الاحتيال لا يُعالج. فقد يعيد بنك المستفيد المال بتحويل جديد، أو يجمد الحساب بأمر نظامي، أو يعوض العميل وفق عقده. ولكن هذه أحداث لاحقة، وليست محواً للتسوية الأصلية بعد اكتمالها.

ويحتاج مدير المخاطر إلى معرفة النقطة الدقيقة للنهائية. فعبارة «تم الإرسال» قد تعني أن تطبيق العميل قبل الطلب فقط. وقد تعني أن بنك العميل أنشأ رسالة. وقد تعني أن نظام المقاصة حسب المركز دون أن يدفعه البنك بعد. ولذلك لا تكفي حالة ملونة في الشاشة لتحديد من لا يزال يحمل الخطر.

نافذة الدفعة تفسر انتظار راتبك

ويبدأ راتبك غالباً كصف داخل ملف يضم رواتب موظفين كثيرين. فيرسل صاحب العمل الملف إلى بنكه قبل وقت قطع محدد. ويفحص البنك الحساب والأسماء والمبالغ، ثم يرسل التعليمات إلى مسار المقاصة المناسب. وبعدها يحسب النظام مراكز البنوك في نافذة مجدولة.

وإذا وصل الملف بعد وقت القطع، فقد ينتظر النافذة التالية أو يوم العمل التالي. وإذا انتهت المقاصة في موعدها، فقد يحتاج بنك المستفيد إلى مطابقة الملف وقيد المبلغ في حسابك. ولذلك قد ترى الشركة أن ملف الرواتب مقبولاً، بينما لا ترى أنت الراتب بعد.

ولا يعني التأخير أن المال تائه بين خادمين. فهو موجود في حالة محددة بين قبول الملف وحساب المراكز والتسوية والقيد النهائي. ولذلك يبدأ التحقيق الجيد برقم الملف ووقت القطع ودورة المقاصة وحالة بنك المستفيد، لا برسالة عامة تقول إن التحويل قيد المعالجة.

ويختلف ذلك عن تحويل كبير عبر RTGS. فشركة تشتري عقاراً قد تطلب تنفيذ مبلغ واحد خلال ساعات تشغيل النظام، لأن البائع لن ينقل الملكية قبل نهائية الدفع. وأما رواتب عشرة آلاف موظف فتستفيد من ملف مجمّع وتكلفة أقل، حتى لو ارتبطت بنافذة زمنية.

السرعة أمام العميل ليست دائماً سرعة بين البنوك

وتعرض أنظمة الدفع الفوري بالتجزئة نتيجة خلال ثوان وعلى مدار الساعة. فيرى المرسل الخصم، ويرى المستفيد الرصيد، ويتعامل الطرفان مع العملية كمنتهية. ولكن التصميم الخلفي لا يجب أن يطابق دائماً هذه الصورة حرفياً.

فبعض الأنظمة تسوي كل دفعة بين البنوك فوراً في أموال البنك المركزي. وبعضها يمنح العملاء نهائية سريعة، بينما يجمع مراكز البنوك ويسويها لاحقاً. وفي النموذج الثاني، يقدم النظام أو البنك ضماناً بأن المستفيد لن ينتظر فشل التسوية اللاحقة.

ويخلق هذا «النموذج الهجين» منفعتين ومخاطرة. فهو يمنح العميل سرعة التجزئة، ويقلل السيولة بين البنوك عبر الصافي. ولكنه يفتح تعرضاً من لحظة إتاحة المال للمستفيد إلى لحظة دفع البنك المدين مركزه. ولذلك تضع الأنظمة حدوداً للمشاركين، وتطلب ضمانات، وتراقب المراكز خلال اليوم.

ولا يجوز استنتاج البنية من كلمة فوري وحدها. فقد تكون تجربة العميل متطابقة في نظامين، بينما يسوي الأول كل عملية منفردة ويسوي الثاني دفعة صافية كل فترة. ولذلك اسأل عن لحظة النهائية للعميل، ولحظة النهائية بين البنوك، ومن يغطي الفجوة بينهما.

طبقات التسوية في السعودية

وتشرف ، أي البنك المركزي السعودي، على البنية الوطنية للمدفوعات والتسوية. ويعمل نظام التحويلات المالية السعودي السريع SARIE بوصفه نظام RTGS للتحويلات بالريال بين البنوك. ويقدم أيضاً التسوية النهائية لأنظمة مرتبطة به، ومنها التزامات تنشأ من مدى وسداد ومقاصة أخرى.

ويعني ذلك أن عملية بطاقة في متجر لا تنتقل بالضرورة واحدة واحدة عبر RTGS. فمدى تحمل رسائل عمليات كثيرة وتحسب الالتزامات وفق قواعدها. ثم تصل المراكز النهائية إلى طبقة التسوية في أموال البنك المركزي. ولذلك تختلف شبكة قبول البطاقة عن المكان الذي ينتهي فيه الدين بين البنوك.

وأطلقت السعودية في ٢٠٢١ نظام للمدفوعات الفورية منخفضة القيمة. فيستطيع العميل إرسال تحويل محلي مؤهل خلال ثوان وعلى مدار الساعة، باستخدام الآيبان أو معرّفات بديلة وفق الحدود والقواعد. ويظل فهم البنية الخلفية ضرورياً، لأن سرعة واجهة العميل لا تلغي إدارة السيولة والنهائية واستمرارية النظام.

اختيار الطبقة المناسبة

وابدأ بقيمة الدفعة وخطر فشلها ووقت حاجتها إلى النهائية. فدفعة سوق مالية كبيرة تحتاج يقيناً سريعاً ومساراً منفرداً. وتحتاج رواتب وفواتير صغيرة إلى كفاءة الحجم. ويحتاج تحويل تجزئة فوري إلى تجربة دائمة مع قواعد تحمي التسوية بين البنوك.

ثم افصل أربعة أوقات في أي منتج. فهناك وقت قبول طلب العميل، ووقت المقاصة، ووقت التسوية بين البنوك، ووقت إتاحة الرصيد للمستفيد. وقد تتطابق كلها، وقد تفصل بينها ساعات. ولذلك يصبح سؤال «أين راتبي؟» قابلاً للإجابة حين تحدد الطبقة والنافذة والحالة، لا حين تكتفي بكلمة تحويل.

كلمات جديدة هنا

التسوية الإجمالية الفوريةRTGS
تسوية كل دفعة كبيرة على حدة وفوراً.
التسوية الصافيةNet settlement
تجميع مدفوعات كثيرة وتسوية الفرق فقط بين البنوك في نهاية الدورة.
النهائيةFinality
اللحظة القانونية التي لا يمكن بعدها التراجع عن الدفعة، حتى لو تعثّر بنك بعدها.

الخلاصة

  • الطريقة الفردية سريعة ونهائية لكنها تجمّد الكثير من نقد البنك، والمجمّعة رخيصة وبطيئة.
  • نوافذ التجميع تفسّر معظم أسئلة «أين مالي؟» في الخدمات المصرفية اليومية.
  • المدفوعات الفورية للأفراد هجينة: تراها نهائية فوراً بينما تسوّي البنوك الفرق بهدوء لاحقاً.

اختبر فهمك

أجب قبل أن تقرأ التفسير. والخطأ هنا أنفع لك من تخمين صحيح.

  1. 1.المقاصة الصافية توفّر سيولة هائلة. فلماذا يُسوّى أي شيء إجمالياً، عملية عملية؟
  2. 2.يُسمّى نظام بالتسوية الإجمالية الآنية. فهل ينفَّذ كل أمر لحظة وصوله؟
  3. 3.يقول صاحب العمل إن ملف الرواتب قُبل، والراتب ليس في حسابك. فمن أين يبدأ التحقيق الجيد؟
  4. 4.نظاما مدفوعات فورية يبدوان متطابقين للعملاء. فما الذي قد يختلف تحتهما؟
  5. 5.بعد أن تصير التسوية نهائية، يشتكي عميل بأن الدفعة احتيالية. فهل يعكس هذا القيد؟

المصادر الرسمية

للتحقّق بنفسك من القواعد المذكورة أعلاه. والمقال مكتمل بدونها.

هذا دليل تعليمي مبني على خبرة ميدانية. وهو ليس استشارة قانونية أو تنظيمية أو استثمارية، ولا يُغني عن مشورة مهنية مؤهّلة. وأنظمة التقنية المالية تتغيّر بسرعة وتختلف من دولة إلى أخرى، فراجع المصدر الرسمي قبل أي قرار مهم.

العودة إلى الخارطة

المقاصة والتسوية | Roadmap FinTech